أصبحت مسألة الأمن في نيجيريا من أكثر القضايا إلحاحًا بالنقاش في المجال الأكاديمي والسياسي، اعتبارا لما تشهده البلاد من تحديات أمنية معقّدة ومنتشرة ومتسارعة. فنيجيريا بوصفها أكبر دولة في القارة الإفريقة من حيث عدد السكان وأكثرها تنوعًا عرقيًا ودينيًا، تواجه طيفًا واسعًا في الآونة الأخيرة من التهديدات الأمنية التي تتجاوز قدرة النماذج التقليدية للأمن المركزي على الاحتواء والمعالجة.
وقد أدّى هذا الواقع إلى تخيب ثقة المواطنين في المؤسسات الأمنية، وارتفاع أصوات المواطنين إلي الجهة المسؤولة بإصلاح جذري لمنظمة حفظ الأمن في البلاد.
في هذا السياق، برز مفهوم الشرطة المجتمعية، الشهير في نيجيريا ضمن إطار “شرطة الولاية” (state police)، كأحد البدائل المطروحة بقوة، ليس فقط كآلية أمنية، بل كفلسفة جديدة تقوم على الشراكة بين الدولة والمجتمع في إنتاج الأمن. ويهدف هذا المقال إلى مناقشة آفاق اعتماد الشرطة المجتمعية في نيجيريا، مع تحليل تحدياتها القانونية والسياسية والعملية، واستعراض بعض النماذج التطبيقية، وعلى رأسها تجربة “Amotekun”، مع تقييم دورها في تعزيز الأمن ومقاومة الفساد في جنوب النيجيريا.
أولًا: حالة الأمن في نيجيريا
يعكس المشهد الأمني في نيجيريا حالةً معقّدة من التداخل بين التهديدات المحلية والإقليمية، حيث تختلف طبيعة المخاطر باختلاف الأقاليم الجغرافية والتركيبة الاجتماعية لكل منطقة. وقد أصبحت البلاد، خلال العقدين الأخيرين، واحدة من أكثر دول إفريقيا تأثّرًا بتعدّد أنماط العنف المسلّح وتنوّع الفاعلين غير الحكوميين وضعف قدرة الدولة على فرض احتكارها المشروع لاستخدام القوة [1]
ففي الشمال الشرقي، ما تزال الجماعات المتطرّفة، وعلى رأسها “بوكو حرام” و “تنظيم داعش ولاية غرب إفريقيا” (ISWAP)، تمثّل تهديدًا مستمرًّا للأمن والاستقرار، رغم النجاحات العسكرية النسبية التي حققتها القوات الحكومية بالتنسيق مع الشرطة المجتمعية منذ عام 2015.
وقد أسفرت هذه التمرّدات عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من مليونَي شخص، فضلًا عن تدمير القرى والبنية التحتية الحيوية وتعطيل النشاط الزراعي والتجاري في ولايات بورنو (Borno) ويوبي (Yobe) وأداماوا (Adamawa).[2] وتشير تقارير “International Crisis Group” إلى أنّ ضعف الحوكمة المحلية وغياب الخدمات الأساسية أسهما في توفير بيئة خصبة لتجنيد الشباب في هذه الجماعات المتطرّفة[3].
أما في الجنوب، ولا سيما في نيجر دلتا، فلا تزال جرائم تخريب منشآت النفط وخطف العاملين وتهريب الوقود والقرصنة البحرية تشكّل تحدّيًا كبيرًا للاقتصاد الوطني ولأمن الملاحة الإقليمية، إضافة إلى تصاعد معدلات الجريمة الحضرية في المدن الكبرى مثل لاغوس وبورت هاركورت وأونيتشا. وقد أكّدت تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أنّ التحضّر السريع وضعف البنية الشرطية في المدن أسهما في تفاقم الجريمة المنظّمة والعنف الحضري.
وتتفق معظم الدراسات الدولية والوطنية على أنّ أحد أبرز أسباب تفاقم هذه الأزمات يتمثّل في محدودية القدرة المؤسسية للأجهزة الأمنية، وقلة عدد أفراد الشرطة قياسًا بعدد السكان،حيث يبلغ عدد مواطنين في نيجيريا مائين وأربعين مليون أفرادا وعدد الأفراد الأمنيون العاملون حاليًا: تشير التقديرات إلى أن عدد أفراد الأجهزة الأمنية النشطين (بما في ذلك الشرطة والجيش والقوات شبه العسكرية) يزيد على 500,000 أفرادا [4] زيادة عن ضعف التجهيز والتدريب، وتكرار الاتهامات بالفساد وسوء استخدام السلطة وانتهاكات حقوق الإنسان. وتشير إحصاءات الشرطة النيجيرية إلى أنّ معدل الشرطي إلى المواطن يقلّ بكثير عن المعايير التي توصي بها الأمم المتحدة، وهو ما ينعكس مباشرة على ضعف التغطية الأمنية، وبطء الاستجابة للبلاغات، وتآكل ثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية.
وقد أدّى هذا الوضع، على المستوى الإنساني، إلى تنامي مشاعر الخوف والقلق الجماعي، وتآكل الإحساس بالأمان في الحياة اليومية، وازدياد لجوء المجتمعات المحلية إلى تكوين لجان شعبية وحراسات أهلية ومبادرات ذاتية لحماية القرى والأحياء. وفي هذا السياق تحديدًا، تبلورت تدريجيًا فكرة الشرطة المجتمعية باعتبارها استجابة واقعية لفراغ أمني متنامٍ، ومحاولة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإشراك المواطنين في تحمّل مسؤولية حفظ الأمن والاستقرار.
ثانيًا: مفهوم الشرطة المجتمعية وأُسسه النظرية
تُعرَّف الشرطة المجتمعية بأنها نموذج أمني حديث يقوم على إشراك المجتمع المحلي في عمليات الوقاية من الجريمة وحفظ النظام، من خلال تعاونٍ وثيق ومنظّم بين المواطنين وأجهزة الأمن الرسمية، بما يحقّق شراكة حقيقية في صناعة الأمن بدل الاقتصار على الدور التقليدي للدولة[5].
ويقوم هذا النموذج على الانتقال من فلسفة “الشرطة الحارسة” إلى فلسفة “الشرطة الشريكة”، حيث يصبح المواطن عنصرًا فاعلًا في منظومة الأمن لا مجرّد متلقٍ للخدمة الأمنية.
ويستند هذا التصور إلى جملة من المبادئ النظرية الأساسية، من أبرزها: بناء الثقة المتبادلة بين الشرطة والمجتمع بوصفها شرطًا لشرعية العمل الأمني، والتركيز على الوقاية المسبقة بدل الاقتصار على الردع والعقاب، واحترام الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمعات المحلية باعتبارها مدخلًا ضروريًا لفهم أنماط الجريمة وأسبابها[6]. كما يؤكد هذا النموذج على أهمية الشفافية والمساءلة القانونية، وربط الأداء الشرطي بمؤشرات الرضا المجتمعي لا بمعدلات الضبط وحدها.
وتنطلق الأسس النظرية للشرطة المجتمعية من أعمال علم الجريمة الحديثة التي رأت أن الجريمة ظاهرة اجتماعية مركّبة لا يمكن معالجتها بالأدوات القسرية فقط، بل تتطلب تدخلًا وقائيًا طويل المدى يقوم على فهم السياق المحلي، وتعزيز شبكات التضامن الاجتماعي، وإشراك الفاعلين الأهليين في تحديد أولويات الأمن.[7] ويرى غولدشتاين أن نجاح العمل الشرطي مرهون بقدرته على تشخيص المشكلات البنيوية التي تولّد الجريمة، لا الاكتفاء بمعالجة مظاهرها السطحية[8].
وقد طُبِّقت الشرطة المجتمعية بنجاح نسبي في عدد من الدول المتقدمة والنامية على السواء. ففي المملكة المتحدة، أدّى اعتماد نظام “ضباط الأحياء” إلى تحسين مستويات الثقة بين السكان والشرطة وتقليص جرائم الشوارع في الأحياء الحضرية[9]
كما أظهرت التجربة الكندية أن إشراك المجتمعات المحلية في وضع الخطط الأمنية ساعد على خفض معدلات العنف الحضري وتعزيز الإحساس الجماعي بالأمان.[10] وتشير دراسات آسيوية وإفريقية إلى نتائج مماثلة، خصوصًا في البيئات التي تعاني ضعف حضور مؤسسات الدولة، وتتسم بتعدّد الهويات المحلية[11].
وتؤكد الأدبيات الأكاديمية أن فعالية الشرطة المجتمعية ترتبط بثلاثة شروط مركزية: أولها الاندماج الحقيقي في النسيج الاجتماعي المحلي، وثانيها وضوح الإطار القانوني المنظّم للعلاقة بين الشرطة والمواطنين، وثالثها خضوع المؤسسة الشرطية لرقابة مؤسسية وقضائية صارمة تحول دون الانحراف أو إساءة استخدام السلطة
وفي نيجيريا، تكتسب هذه الفلسفة أهمية مضاعفة بسبب الطبيعة التعددية للمجتمع النيجيري، بما يضمّه من تنوّع عرقي ولغوي وديني واسع، وما يرافقه من حساسيات تاريخية بين الدولة والمجتمعات المحلية. وقد أظهرت “International Crisis Group” في تقريرها أن فجوة الثقة بين الشرطة الفيدرالية والمواطنين تمثل أحد أبرز معوقات الاستقرار الأمني في البلاد [12].
ومن هنا، يُنظر إلى إشراك أبناء المناطق في العمل الأمني، ضمن أطر قانونية واضحة، بوصفه وسيلةً فعّالة لتجاوز هذه الفجوة، وتحسين تدفّق المعلومات الاستخبارية المحلية، وتعزيز شرعية الدولة في أعين المواطنين، كما يسهم هذا النموذج في إعادة بناء الإحساس الجماعي بالمسؤولية، وتحويل الأمن من وظيفة حكومية مغلقة إلى مشروع مجتمعي تشاركي يسهم في ترسيخ الاستقرار والتنمية معًا.[13]
ثالثا: ظهور اقتراح الأخذ بالشرطة المجتمعية كحل
أدّى تفاقم الأزمات الأمنية في نيجيريا، وتعدّد أنماط العنف المسلّح والجريمة المنظّمة، إلى إعادة طرح سؤال جوهري حول فعالية النموذج الشرطي المركزي المعمول به منذ الاستقلال. فقد أظهرت التجربة العملية محدودية قدرة الشرطة الفيدرالية على تغطية الامتداد الجغرافي الواسع للبلاد، وضعف استجابتها السريعة لتهديدات محلية متغيّرة، الأمر الذي أسهم في تنامي الشعور بعدم الأمان وتراجع الثقة الشعبية في المؤسسات الأمنية[14]
وقد ترافق هذا الوضع مع ازدياد الانتقادات الموجّهة إلى أداء الشرطة، سواء بسبب نقص الموارد البشرية والتقنية، أو بسبب تكرار الاتهامات بالفساد وسوء المعاملة وانتهاكات حقوق الإنسان. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ هذه العوامل مجتمعة أدّت إلى فجوة متنامية بين الشرطة والمجتمع، انعكست في ضعف التعاون الشعبي وقلّة تدفّق المعلومات الأمنية الضرورية لمكافحة الجريمة.[15]
في هذا السياق، برز اقتراح اعتماد الشرطة المجتمعية بوصفه بديلًا إصلاحيًا قادرًا على تجاوز اختلالات النموذج التقليدي، من خلال إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع في مجال حفظ الأمن. وقد بدأت الدعوة إلى هذا النموذج تتبلور منذ مطلع الألفية الثالثة في أوساط الباحثين وصنّاع القرار، مستندةً إلى تجارب دولية ناجحة وإلى الحاجة الملحّة لتكييف السياسات الأمنية مع الخصوصيات الاجتماعية والثقافية المحلية.
ولعبت المبادرات الشعبية الذاتية التي ظهرت في القرى والأحياء، مثل لجان الحراسة الأهلية وجماعات المراقبة المجتمعية دورا فعالا، في تعزيز القناعة بضرورة إضفاء طابع مؤسسي وقانوني على هذا النوع من المشاركة الأمنية، بدل تركه في إطار عفوي قد ينزلق إلى الفوضى أو انتهاك الحقوق[16]
وقد لاحظت تقارير دولية أن هذه المبادرات، رغم محدوديتها، كشفت عن استعداد اجتماعي واسع لتحمّل جزء من مسؤولية حفظ الأمن إذا ما توفّرت الأطر القانونية والضمانات المؤسسية اللازمة.
لم يكن اقتراح الأخذ بالشرطة المجتمعية خيارًا نظريًا معزولًا، بل جاء ثمرةً لتراكم أزمات ميدانية، وضغوط اجتماعية متزايدة، وتحوّلات في الفكر الأمني العالمي، ما جعله يُطرح باعتباره أحد أكثر الحلول واقعية لإعادة بناء منظومة الأمن في نيجيريا على أسس تشاركية أكثر استدامة وإنسانية.
رابعا: الجدل الدائر بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات حول القضية
أثار اقتراح اعتماد الشرطة المجتمعية في نيجيريا جدلًا واسعًا بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات، تمحور أساسًا حول طبيعة النظام الاتحادي، وحدود الصلاحيات الدستورية في إدارة الشأن الأمني، ومخاوف تفكك احتكار الدولة لاستخدام القوة. فقد تمسّكت الحكومة الفيدرالية بموقف تقليدي يرى أن الأمن من الاختصاصات الحصرية للسلطة المركزية، وأن إنشاء تشكيلات شرطية محلية قد يفتح الباب أمام ازدواجية الصلاحيات وتضارب الأوامر، ويهدّد وحدة الدولة واستقرارها[17].
واستند هذا الموقف إلى نصوص الدستور النيجيري التي تمنح الحكومة الفيدرالية سلطة الإشراف الكامل على الشرطة الوطنية، وتحظر على الولايات إنشاء قوات أمن مستقلة خارج الإطار الاتحادي. وقد عبّر عدد من المسؤولين الفيدراليين عن خشيتهم من أن تتحوّل الشرطة المجتمعية إلى أداة بيد النخب المحلية لتصفية الخصومات السياسية أو تعزيز النفوذ العرقي والديني، بما يعمّق الانقسامات بدل معالجتها.
في المقابل، دفعت حكومات الولايات، ولا سيما في المناطق الأكثر تضرّرًا من العنف والجريمة، باتجاه توسيع صلاحياتها الأمنية، معتبرةً أن المركزية المفرطة في إدارة الأمن أثبتت فشلها في مواجهة التهديدات المحلية المعقّدة. وقد أكدت تقارير المعهد النيجيري للدراسات الاستراتيجية أن بطء استجابة الشرطة الفيدرالية وبعدها الجغرافي عن المجتمعات المحلية يمثّلان من أبرز أسباب تفاقم الأزمات الأمنية في الولايات الطرفية[18].
كما استند أنصار اللامركزية الأمنية إلى تجارب دول اتحادية أخرى نجحت في توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم دون المساس بوحدة الدولة، مشيرين إلى أن إشراك الولايات في إدارة الشأن الأمني ينسجم مع روح النظام الاتحادي، ويعزّز المساءلة المحلية، ويقوّي الثقة بين المواطنين والسلطات العامة. وقد لاحظت “International Crisis Group” أن هذا التباين في الرؤى يعكس في جوهره أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة النيجيرية نفسها، وحدود المركزية في سياق تعددي شديد التعقيد[19].
وتجلّت حدّة هذا الجدل بوضوح عند إعلان بعض الولايات إنشاء تشكيلات أمنية محلية، كما في تجربة “أموتيكون” (Amotekun) في ولايات الجنوب الغربي، ولقي في بداية أمره برفض صريح من الحكومة الفيدرالية قبل أن يُعاد تقنينه لاحقًا ضمن أطر قانونية خاصة بكل ولاية. وقد كشف هذا المسار عن توازن دقيق بين ضرورات الأمن ومتطلبات الدستور، وعن استعداد تدريجي من السلطة المركزية للاعتراف بدور الولايات في حماية مجتمعاتها، وإنْ تحت رقابة اتحادية مشدّدة.[20]
وهكذا، لم تكن الجدلية حول الشرطة المجتمعية مجرّد خلاف إداري تقني، بل مثّلت أحد أبرز تجليات الصراع البنيوي بين المركز والأطراف في الدولة النيجيرية، وكشفت عن الحاجة الماسّة إلى إعادة التفكير في نموذج الحوكمة الأمنية بما يحقّق التوازن بين وحدة الدولة وفعالية الاستجابة للتهديدات المحلية، وبين سلطة المركز وحق المجتمعات في الأمن القريب والفعّال.
خامسا: “أموتيكون” نموذجًا للشرطة المجتمعية
تُعدّ تجربة “أموتيكون” من أبرز النماذج التطبيقية للشرطة المجتمعية في نيجيريا خلال العقد الأخير، لما تمثّله من محاولة جادّة لإعادة صياغة العلاقة بين الأمن والمجتمع في إطار إقليمي تشاركي. وتعود تسمية أموتيكون إلى لغة اليوربا، حيث يُقصد بها في أصلها اللغوي الحيوان السريع القوي الشبيه بالفهد الصيّاد (cheetah)، لا النمر المرقط (leopard) كما شاع في كثير من الترجمات الإعلامية المتداولة. ويعكس هذا الاسم في دلالته الثقافية المحلية معاني السرعة واليقظة والقوة في ملاحقة الخطر، وهي صفات أراد القائمون على المشروع إسقاطها رمزيًا على هذه القوة الأمنية الناشئة.

وقد أُعلن عن تأسيس عملية أموتيكون رسميًا في التاسع من يناير سنة 2020، بمبادرة مشتركة من حكّام ولايات الجنوب الغربي الست: لاغوس، أويو، أوغون، أوندو، أوسن، وإكيتي، استجابةً لتصاعد معدلات الجريمة المنظمة وعمليات الخطف وقطع الطرق والنزاعات الريفية التي شهدها الإقليم في السنوات السابقة[21] وجاء هذا القرار تتويجًا لما أُقرّ خلال القمة الأمنية الإقليمية التي انعقدت في مدينة إيبادان بولاية أويو في يونيو 2019، برعاية لجنة أجندة تنمية غرب نيجيريا (DAWN)، والتي أوصت بإنشاء آلية أمنية إقليمية مشتركة تُعزّز التنسيق بين الولايات وتقرّب العمل الأمني من المجتمعات المحلية[22]
وفي إطار دعم هذه القوة الأمنية الناشئة، قدّم كل حاكم من حكّام الولايات الست عشرين مركبة رسمية، باستثناء ولاية أويو التي ساهمت بثلاث وثلاثين مركبة، ليبلغ مجموع المركبات عند الانطلاق 133 مركبة، فضلًا عن توفير مئة دراجة نارية من كل ولاية، ليصل العدد الإجمالي إلى نحو 600 دراجة نارية، بهدف تسهيل الحركة السريعة في المناطق الريفية والوعرة[23]. وقد عُدّ هذا الدعم اللوجستي مؤشّرًا على الجدية السياسية للمبادرة وعلى إدراك حكومات الولايات لحجم التحديات الأمنية التي تواجه الإقليم.
أما من حيث التكوين البشري، فقد ضمّت القوة عناصر من الصيادين المحليين، ومنظمة مؤتمر شعب أودوا (OPC)، وجماعة أغبيكويَا، وهيئة الدفاع المدني والأمن النيجيرية (NSCDC)، إضافة إلى مجموعات الحراسة الشعبية، بما يعكس الطابع المجتمعي التشاركي لهذه المبادرة الأمنية. وقد روعي في هذا التشكيل الاستفادة من الخبرة الميدانية للسكان المحليين ومعرفتهم الدقيقة بالجغرافيا والعلاقات الاجتماعية، مع إخضاعهم في الوقت نفسه لبرامج تدريب وإشراف رسمي لضمان الانضباط واحترام القانون.
مهام فرقة “أَمَوْتَيْكُونْ”:
تُناط بعناصر قوة “أموتيكون” الأمنية مهمة القيام بدور تكاملي إلى جانب الشرطة الفيدرالية وسائر الأجهزة الأمنية والقيادات التقليدية، في مواجهة أبرز التحديات الأمنية في الإقليم، وفي مقدّمتها الإرهاب وقطع الطرق والسطو المسلح والاختطاف، فضلًا عن الإسهام في احتواء النزاعات المتكرّرة بين الرعاة والمزارعين في ولايات الجنوب الغربي.
كما أُنيط بها جمع المعلومات الاستخبارية المحلية، وتنظيم الدوريات في المناطق النائية، وتأمين الطرق الريفية والأسواق والقرى الحدودية.
وفي المرحلة الأولى من انطلاق العملية، قامت ولايات لاغوس وأوسن وإكيتي بتجنيد نحو 1,320 عنصرًا لبدء العمل الميداني. وقد زُوِّد هؤلاء العناصر بأسلحة تقليدية من نوع البنادق المحلية على غرار ما يستخدمه الصيادون المحليون، وتم توزيعهم على نحو 52 نقطة ساخنة عالية الخطورة في مختلف أرجاء الإقليم[24]. وقد أثار هذا التسليح التقليدي نقاشًا واسعًا حول حدود الصلاحيات ومستوى الفاعلية، غير أن القائمين على المشروع رأوا فيه إجراءً مرحليًا ينسجم مع الطابع الوقائي للمبادرة ويحدّ من مخاطر عسكرة الفضاء المجتمعي.
ورغم الجدل القانوني والسياسي الذي رافق انطلاق أموتيكون في بداياته، فإن تقارير ميدانية أولية أشارت إلى تحسّن نسبي في مستوى الاستجابة الأمنية، وتراجع بعض أنماط الجرائم في المناطق الريفية، وارتفاع مستوى التعاون الشعبي مع الأجهزة الأمنية المحلية. وقد مثّلت هذه التجربة، في نظر عدد من الباحثين، نموذجًا عمليًا لإمكانية توطين فلسفة الشرطة المجتمعية في السياق النيجيري، شريطة استمرار التقنين القانوني، وتعزيز الرقابة المؤسسية، وضمان خضوع هذه القوات لإشراف مدني وقضائي صارم.
الخاتمة
تؤكد هذه الدراسة أن قضية الشرطة المجتمعية في نيجيريا ليست مجرّد إصلاح إداري في جهاز الأمن، بل هي محاولة صادقة لإعادة بناء الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع في زمن كثرت فيه المخاوف وتنوّعت التهديدات. فقد كشف الواقع الأمني أن الاعتماد على النموذج المركزي وحده لم يعد كافيًا لحماية الناس في قراهم ومدنهم، ولا لاستيعاب تعقيدات المجتمع النيجيري وتنوّعه الواسع.
وجاء الاتجاه نحو الشرطة المجتمعية استجابةً طبيعية لشعورٍ عام بالحاجة إلى أمن أقرب إلى المواطن، يفهم لغته وهمومه، ويشاركه مسؤولية حفظ الاستقرار. غير أن هذا المسار لم يخلُ من خلافات سياسية ودستورية عكست عمق التوتر بين المركز والولايات، وأظهرت صعوبة الموازنة بين وحدة الدولة وحق المجتمعات في أمن فعّال وقريب منها.
وقد قدّمت تجربة أموتيكون مثالًا حيًّا على إمكانات هذا النموذج، إذ أظهرت أن إشراك أبناء المناطق في حماية مجتمعاتهم يمكن أن يبعث الأمل في تحسين الأوضاع الأمنية، لكنه في الوقت نفسه كشف عن تحديات دقيقة تتعلّق بالقانون والرقابة ومخاطر التسييس والانحراف عن الهدف الأصلي.
وفي النهاية، تؤمن هذه الدراسة أن الشرطة المجتمعية، إذا أُحسن تنظيمها وأُحكم تأطيرها، يمكن أن تصبح جسرًا جديدًا بين الدولة والمجتمع، وأداة لبناء أمن أكثر إنسانية وعدلًا واستدامة، يطمئن به المواطن، وتستقر به البلاد، ويُفتح من خلاله طريق أوسع نحو السلم والتنمية في نيجيريا.
ـــــــــــــــــــــ
[1] International Crisis Group: Nigeria’s Northeast Insurgency: Drivers and Responses, 2020، p 3
[2] UNDP – United Nations Development Programme Climate Change and Conflict in Nigeria, 2019 p11 .
[3] International Crisis Group: Nigeria’s Northeast Insurgency: Drivers and Responses, 2020، p 7
[4] https://share.google/aimode/92Ny5GKAd5nx6fC37
[5] Skogan, Wesley Community Policing: Can It Work? Wadsworth, 2006، p4
[6] Goldstein, Herman Problem-Oriented Policing, McGraw-Hill, 1990، p21
[7] Skogan & Hartnett Community Policing in Chicago, Oxford University Press, 1997 p12
[8] Goldstein, Herman Problem-Oriented Policing, McGraw-Hill, 1990، p45
[9] Home Office (UK) Neighbourhood Policing Programme Report, 2004 p7.
[10] Public Safety Canada Community Policing Evaluation Report, 2010 p10
[11] International Crisis Group Nigeria: Reforming the Police, 2018 p7
[12] International Crisis Group Nigeria: Reforming the Police, 2018 p5
[13] Nigerian Institute for Strategic Studies (NISS) Community Security and Policing in Nigeria, 2021 p34.
[14] International Crisis Group، Nigeria: Reforming the Police 2018 p3
[15] Crime and Urban Insecurity in Nigeria (UNODC) 2022 p6
[16] المعهد النيجيري للدراسات الاستراتيجية (NISS)، Community Security and Policing in Nigeria 2021 p28.
[17] International Crisis Group، Nigeria: Reforming the Police 2018 p8
[18] المعهد النيجيري للدراسات الاستراتيجية (NISS)، Internal Security and Federal State Relations in Nigeria 2020 p21
[19] International Crisis Group، Nigeria’s Security Architecture: Challenges and Reforms 2019 p5
[20] Adebanwi, Wale، “Amotekun and the Politics of State Policing in Nigeria”، African Affairs, 2021 p312
[21] The Guardian Nigeria، “South-West Governors Launch Amotekun”، 10 January 2020 p1
[22] لجنة أجندة تنمية غرب نيجيريا (DAWN)، Communiqué of the Ibadan Security Summit 2019 p4
[23] Premium Times Nigeria، “Amotekun Takes Off with 133 Vehicles and 600 Motorcycles 2020 p2
[24] Vanguard Nigeria، “Amotekun Recruits 1,320 Operatives for First Phase 2022 p5