قراءة في رئاسيات 2023 النيجيرية

زكريا عبد الله
زكريا عبد الله

قبل الاستعمار الغربي وقبل تبنّي النظام الديمقراطي وغيره؛ عرفت القارة الإفريقية أنظمة حكم تقليدية مختلفة لإدارة شؤونها الاجتماعية مع احترام الحكام التقليديين وتوزيع السلطة بين ممثلي المجتمعات المختلفة والأسرة الحاكمة.

وبدأت التحولات الإفريقية إلى الديمقراطية منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي لعوامل داخلية وخارجية شملت اندلاع الاحتجاجات الداخلية والضغوطات الخارجية على الدول التي تطبق الاشتراكية والأنظمة الموسومة بالاستبدادية. ومنذ ذلك الحين زرعت الديمقراطية جذورها في معظم دول القارة, وبحلول عام 2000 نفذّت غالبية الدول الإفريقية إصلاحات سياسية ضمت انتخابات متعددة الأحزاب واعتماد اختيار المسؤولين عبر التصويت بالأغلبية.

على أنه في حين توصف بعض الدول الإفريقية بالديمقراطية وتجري النقاشات حول الطريقة المناسبة لعملية الديمقرطة أو ما إذا كانت الديمقراطية هي  النظام المناسب لدول القارة؛ فإن تجارب السنين تكشف أنها صورية فقط. وهذا يؤكد ما قاله “باتريك كانتين” بأن الديمقراطية الإفريقية تقتصر على “التصويت في ظروف منافسة ومشاركة تعددية قد تعتريها بعض الشوائب الطفيفة”, حيث الوقائع السياسية وتدهور السلطة بصورة محزنة في السنوات الأخيرة تؤكد وجود فجوة واسعة بين الديمقراطية اسمًا والديمقراطية تجسيدا على أرض الواقع.

الممارسة السياسية في نيجيريا

بعد قرابة مئة عام من الاستعمار البريطاني نالت نيجيريا استقلالها في يوم 1 أكتوبر عام 1960. ومنذ ذلك الوقت تسعى نحو إيجاد موطئ قدم مستقر لها سياسيا واقتصاديا. كما تحاول البلاد – ولو بوتيرة بطيئة – على إدارة تنوعاتها الاجتماعية والثقافية, حيث تتشكل ثقافة نيجيريا من كثرة إثنياتها التي تفوق 250 مجموعة إثنية وأكثر من 521 لغة وأكثر من 1,150 لهجة. وتلقب بـ “عملاق إفريقيا” نتيجة عدد سكانها الهائل الذي قدّر بأكثر من 213 مليون شخص في عام 2021, وللتطور السريع الذي شهدته بعد عقود من الاستقلال.

وقد كان نظام الحكم السائد أثناء الاستعمار البريطاني حتى الاستقلال في المجتمعات التي تكوّنت منها نيجيريا هو الحكم غير المباشر عبر مؤسسات الحكم التقليدي التي تشمل الممالك والسلطنة والإمارات والملوك. ومع نيلها الاستقلال أصبحت جمهورية رئاسية ذات حكومة فيدرالية. ودخل الدستور النيجيري الحالي – وهو الرابع منذ الاستقلال – حيز التنفيذ في 29 مايو 1999. وقد نُسِج هذا الدستور على غرار دستور الولايات المتحدة الأمريكية، وينص على فصل السلطات بين سلطة تنفيذية قوية، ومجلس تشريعي منتخب، وسلطة قضائية مستقلة.

وتناط السلطة التنفيذية بيد رئيسٍ يشغل منصب رئيس الدولة والرئيس التنفيذي للدولة، وينتخب الرئيس ونائبه مباشرة لفترين رئاسيتين مدة كل منها أربع سنوات. وتوجد جمعية وطنية متكونة من مجلسين: مجلس النواب ومجلس الشيوخ. كما تنتخب كل ولاية 10 أعضاء في مجلس النواب لمدة أربع سنوات؛ وينتخب أعضاء مجلس الشيوخ – ثلاثة عضو من كل ولاية وعضوا واحدا فقط من منطقة العاصمة الفيدرالية (أبوجا) – لمدة أربع سنوات.

ويمنح الدستور النيجيريين الحرية الشخصية وحرية الانتماء والاعتقاد وعلمانية الدولة. كما يمنح كل ولاية فرصة تطبيق بعض القوانين والعادات الثقافية والدينية الخاصة بها, وهو ما سهّل لبعض الولايات الشمالية عملية “تطبيق الشريعة الإسلامية” في حدودها وعلى سكانها. ومع ذلك, يتعرّض دستور نيجيريا الحالي – دستور عام 1999 – لعدة انتقادات منها: أنه يمنح الحكومة الفيدرالية والمؤسسات المركزية التابعة لها سلطة كبيرة على حساب الولايات النيجيرية البالغة 36 ولاية موزعة بين الأقاليم الجيو-سياسية الستة (جنوب الغرب وجنوب الشرق وجنوب الجنوب وشمال الغرب وشمال الوسط وشمال الشرق).

العملية الانتخابية في نيجيريا

تتمتع نيجيريا بنظام متعدد الأحزاب، مع هيمنة حزبين على المستوى الوطني ووجود حزب ثالث أو رابع قويين على المستوى الإقليمي في الجمعية الوطنية. وقد بدأت الانتخابات في نيجيريا منذ عام 1959 بأحزاب سياسية مختلفة, حيث يختار النيجيريون رئيسهم وحكامهم وممثليهم عبر التصويت لهم في الانتخابات العامة.

وبموجب دستور عام 1999 يتطلب الفوز بالرئاسة في الجولة الأولى أن يحصل المرشح الفائز على ربع الأصوات على الأقل في ثلثي الولايات، بالإضافة إلى حصوله على أغلبية الأصوات الإجمالية. كما أنه منذ استئناف الانتخابات في عام 1999 وحتى عام 2015 سيطر أعضاء حزب الشعب الديمقراطي (Peoples Democratic Party) على الرئاسة النيجيرية. وتراجع هذه الهيمنة ليصبح الحزب المعارض الرئيس بعدما فاز محمد بخاري من حزب مؤتمر الجميع التقدميين (All Progressives Congress) في انتخابات 2015 الرئاسية.

وكانت الانتخابات العامة التي أجريت في فبراير 1999 بمثابة نهاية لـ 15 عامًا من الحكم العسكري وبداية حكم مدني قائم على الديمقراطية التعددية. وفاز بهذه الانتخابات والتي تلتها في أبريل 2003 الرئيس السابق الجنرال أولوسيغون أوباسانجو وحزبه – حزب الشعب الديمقراطي -. وبين عامي 2006 و 2007 ترددت الإشاعات بأن أوباسانجو كان يسعى إلى تعديل الدستور لكي يترشح لولاية ثالثة في انتخابات عام 2007, وذلك ليتمكن من مواصلة تنفيذ إصلاحاته الاقتصادية والسياسية، وللرغبة في منع نائبه الذي أصبح منافسا له – أتيكو أبو بكر – من تولي السلطة الرئاسية.

على أنه في مايو من عام 2006 رفض مجلس الشيوخ النيجيري تعديلاً دستوريًا كان سيسمح بولاية ثالثة مما أنهى محاولة أوباسانجو. وفي 21 أبريل 2007 أُجْرِيت انتخابات رئاسية فاز فيها الحاج عمر موسى يرأدوا من حزب الشعب الديمقراطي. وأثناء رئاسته لنيجيريا توفي الرئيس يرأدوا في مايو 2010 بعد أمد طويل مع المرض. وأدى نائب الرئيس الدكتور غودلاك إبيلي جوناثان يوم الخميس 6 مايو 2010 اليمين كرئيس البلاد والقائد العام للقوات المسلحة النيجيرية تماشياً مع ما نص عليه الدستور ورغم المعارضة الشمالية. وفاز جوناثان في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في الربع الأول من عام 2011 تحت تذكرة حزب الشعب الديمقراطي الحاكم.

وفي عام 2015 أجريت انتخابات عامة واجه فيها جوناثان منافسه الرئيسي من حزب معارض جديد آنذاك باسم حزب مؤتمر الجميع التقدميين. وخسر جوناثان أمام مرشح الحزب الجديد – محمد بخاري – بسبب عوامل مختلفة, مثل تصاعد أزمة بوكو حرام والأمن، وتوحيد المعارضة لصفوفها في ظل الانقسام الداخلي في حزب الشعب الديمقراطي الحاكم وقتذاك، حيث قامت أحزاب معارضة مختلفة (ACN  وANPP  و CPC و APGA) بتوحيد جهودها لتشكيل حزب مؤتمر الجميع التقدميين في عام 2013, بالإضافة إلى الفساد المنتشر وضعف الاقتصاد حيث رغم كون نيجيريا أكبر منتج للنفط في إفريقيا وأكبر اقتصاداتها إلا أن معظم النيجيريين لم يلمسوا أهمية ذلك في حياتهم وأوضاعهم المعيشية.

وفي انتخابات 2019 العامة كرّر الرئيس بخاري فوزه على الرغم من المشاعر المختلطة التي سادت فترة ولايته الأولى من عام 2015. وأعلنت المفوضية القومية المستقلة للانتخابات (Independent National Electoral Commission) فوزه في هذه الانتخابات بعد أن أظهرت النتائج أنه حصل على 56 في المئة من الأصوات. كما فاز بخاري بأغلبية الأصوات في 19 ولاية – بما في ذلك الولايتين الأكثر اكتظاظًا بالسكان – لاغوس وكانو -, بينما انتصر منافسه الرئيسي من حزب الشعب الديمقراطي – أتيكو أبو بكر – في 17 ولاية.

قراءة في انتخابات 2023 الرئاسية

شهدت نيجيريا في يومي 25 و26 فبراير تدفق المواطنين إلى مراكز الاقتراع ليصوتوا للمرشحين من 18 حزبا للمناصب الرئاسية. وكان الاهتمام العام موجّها إلى أربعة أحزاب رئيسة هي كالتالي:

أ- حزب مؤتمر الجميع التقدميين الذي مثّله في هذه الانتخابات الرئاسية الحاج بولا أحمد تينوبو رئيسا وكاشم شيتيما نائبا له. وقد كان تينوبو حاكما لولاية لاغوس سابقا بين عام 1995 و 2007. كما كان نائبه شيتيما حاكما سابقا لولاية بورنو بين عامي 2011 و 2019, وعضوا في مجلس الشيوخ عن وسط ولاية بورنو منذ عام 2019. وقد فازا بهذه الانتخابات بنسبة 36.61  في المئة من الأصوات – بإجمالي 8794.726 صوتًا.

ب- حزب الشعب الديمقراطي الذي مثله في رئاسيات 2023 الحاج أتيكو أبو بكر ونائبه إيفأنيي أوكووَا. وقد كان أتيكو نائب رئيس نيجيريا السابق أولوسيغون أوباسانجو. كما أن نائبه في رئاسيات 2023 – أوكووَا – حاكم ولاية دلتا منذ عام 2015.

ج- حزب العمل (Labour Party): وقد مثّله بيتر أوبي – حاكم ولاية أنامبرا من مارس إلى نوفمبر 2006، ومن فبراير إلى مايو 2007، ومن يونيو 2007 إلى مارس 2014. ونائبه يوسف داتي بابا-أحمد الذي شغل منصب عضو مجلس النواب من 2003 إلى 2007, ومنصب عضو مجلس الشيوخ عن منطقة كادونا الشمالية من 2011 إلى 2012.

د- حزب الشعب النيجيري الجديد (New Nigeria Peoples Party): وقد مثّله رابيو كوانكواسو حاكم ولاية كانو بين عامي 1999 إلى 2003 ومن 2011 إلى 2015. ونائبه إسحاق إيداهوسا رقسيس كبير في كنيسة ” God First Ministry”.

وقد تركزت الحملات الانتخابية للأحزاب الأربعة سابقة الذكر على استراتيجيات كسب دعم الجمهور عبر تقديم الوعود المختلفة والتركيز على شخصية المرشحين كالمنقذ والخبير القادر على معالجة التحديات الاقتصادية والأمنية الراهنة التي تواجهها نيجيريا. كما أن مرشحي الأحزاب المعارضة انتقدوا بولا تنوبو من الحزب الحاكم وركزوا على عمره, حيث يبلغ 70 عاما, ونوّهوا إلى صحته قائلين إنها قد لا تسمح له بإدارة نيجيريا. هذا بالرغم من أن زميله من حزب الشعب الديمقراطي المعارض الرئيس – أتيكو أبو بكر – يبلغ من العمر 76 عاما ولم تكثر الضجة حول عمره.

وتمثل الانتخابات الرئاسية لعام 2023 الأبرز من بين العديد من الانتخابات الرئاسية التي تجرى هذا العام (2023) في عدد من بلدان العالم, وذلك لما تكتسبها نيجيريا من نفوذ إقليمي وأهمية دولية كبيرة – مثل كونها أكبر اقتصاد وأكبر مركز ثقل سكاني في إفريقيا. وكشفت هذه الانتخابات أيضا أن نيجيريا لا تزال بحاجة إلى برامج تثقيفية حول العملية الانتخابية ووضع آليات لتعزيز مصداقية المفوضية الانتخابية وتثبيت ما حققتها البلاد من حيث السلمية والنزاهة، وخاصة في ظل رفض الأحزاب المعارضة نتائج الانتخابات وموقفها من أنها مزورة ولجوئها إلى المحكمة متهمةً رئيس المفوضية الانتخابية – محمود يعقوبو – بالتحيز لصالح بولا تينوبو مرشح الحزب الحاكم.

وقد انخفضت ظاهرة بيع الأصوات في انتخابات 2023  نتيجة سحب الأوراق النقدية القديمة التي يرى بعض أعضاء الحزب الحاكم أنها لاستهداف مرشحهم تينوبو. ورغم قلة هذه الظاهرة؛ فقد شكا بعض ممثلي الأحزاب السياسية الصغيرة من مساعي ممثلي الأحزاب الكبيرة الرئيسة لإجبار الناخبين على التصويت لمرشحيهم. وهذا يعني أن مشكلة  بيع التصويت أو شرائها لا تزال من القضايا التي تشوب الانتخابات في نيجيريا، إما من قبل المصوت نفسه فيبيع صوته, أو من قبل حزب من الأحزاب المتنافسة على المنصب فيطلب من بعض المصوتين التصويت لحزبهم مقابل مبلغ معين.

ويضاف إلى ما سبق أن انتخابات عام 2023 كانت سلمية نسبيا بحسب تقارير بعض المنظمات. ومع ذلك تخلّلت عملية التصويت التي بدأت في الثامنة صباحا أعمال عنف في مراكز اقتراع مختلفة شهدت تهديد مسلحين الذين حاولوا الاعتداء على الناخبين لمنعهم من التصويت أو لإجبارهم على التصويت لمرشح معين. هذا إلى جانب الفوضى التي تُثار دائما قبيل الانتخابات وبعدها والهجمات التي تتعرض لها الممتلكات من قبل معارضي حزب أو مؤيديه.

خاتمة

أكّدت هذه الانتخابات أن الممارسة الانتخابية واستمرارية إجرائها لا تؤدي في حد ذاتها على الاستقرار والتقدم. كما أثبتت إمكانية ظهور قوة سياسية ثالثة قادرة على الحد من نفوذ الحزبَين المهيمنين, وخاصة أن بولا تينوبو خسر في لاغوس لصالح بيتر أوبي رغم نفوذ تينوبو وكون المدينة مركز قوته, كما أن الحزب الحاكم بقيادة بخاري الرئيس منتهي الولاية خسر مسقط رأسه كتسينا لصالح الحزب المعارض الذي مثله أتيكو أبو بكر – وهو ما يؤشّر الاستياء العام ضد إدارته والتحديات القائمة وقضايا الانقسام السياسي والإثني في جميع أنحاء البلاد التي تتطلب معالجة جذرية، وذلك لأنه رغم كون بولا تينوبو هو الفائز النهائي في هذه الانتخابات، إلا أن العدد التراكمي للنيجيريين الذين صوتوا ضده أكثر من أولئك الذين وثقوا فيه وأيّدوا حزبه الحاكم.

ويضاف إلى ما سبق أن التقدم السياسي لأي مجتمع مبني على تقدم أبنائها في الوعي والأوضاع المحسنة من جوانب متعددة – اقتصاديا وتعليميا واجتماعيا وثقافيا. وفي قارة إفريقيا ينبغي على كل فرد الشعور بالمسؤولية في مجتمعه وأنه جزء لا يتجزؤ عنه؛ فالمشاركة الانتخابية مسؤولية كل واحد، وليكن التصويت مبني على أساس القضايا والعدالة – لا على أساس العاطفة والحيز الإثني والإقليمي.

مراجع

 “DEMOCRACY, AFRICA”. Encyclopedia.com: https://bit.ly/3ZZpMqt

2023 Presidential Election Results By States (Declared by INEC). Vanguard: https://bit.ly/3Jx7N5v 

Taylor, I. (2018). “Democracy in Africa”. In African politics: A very short introduction. Oxford University Press. Pp 94.

حكيم ألادي نجم الدين (2023). “المشهد السياسي في نيجيريا: الخارطة الحزبية والانتشار الجيو- إثني ورئاسات عام 2023م”. مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الرياض – دراسة رقم 65, ص 21 .

حكيم ألادي نجم الدين (2023م). رئاسيات 2023م النيجيرية (1): مَن هم المترشحون؟ وهل حان دور العرّاب السياسي “بولا تينوبو” للرئاسة؟. قراءات إفريقية, عبر الرابط https://bit.ly/3HT1QxH

حكيم ألادي نجم الدين (2023م). رئاسيات 2023م النيجيرية (2): هل سيُحقّق “أتيكو أبو بكر” طُمُوحه في هذه المحاولة السادسة؟. قراءات إفريقية, متوفر عبر الرابط https://bit.ly/422eeVk

مركز الجزيرة للدراسات (2017). “الديمقراطية في إفريقيا: قراءة في المسار والمصير”. متوفر عبر الرابط https://bit.ly/3YNUqSY

 

انشر المقال
خريج الجامعة الإسلامية بالنيجر