تحديات نحو تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي في نيجيريا

أحمد البدوي عبد الرحيم
أحمد البدوي عبد الرحيم - مدير النشر والصفحات الاجتماعية.

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًّا جدًّا في المجتمع الحديث، حيث قد أصبحت مواقعها وسيلة أساسية للاتصال وتبادل المعلومات، وكان لها تأثير كبير على جميع جوانب الحياة من ثقافة وسياسة واقتصاد وغيرها. ومن الفوائد الرئيسية لوسائل التواصل الاجتماعي أنه يتم من خلالها ربط الناس بعضهم ببعض من جميع أنحاء العالم، مما يسمح بمزيد من التفاعل والتفاهم بين الثقافات المختلفة. ومنها تعزيز الديمقراطية وحرية التعبير من خلال توفير منصة للناس لتبادل وجهات نظرهم والتواصل مع الآخرين الذين يشاركون في نفس الاهتمامات. وكذلك تسهيل التجارة والتبادل التجاري، حيث يمكن للشركات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى عملاء جدد والترويج لمنتجاتهم وخدماتهم.

والمقصود من تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي؛ فكرة وضع القواعد والمبادئ التوجيهية التي تحكم حركات أو عمليات منصات التواصل الاجتماعي، مثل وضع معايير للإشراف على المحتوى، وخصوصية البيانات، والشفافية الخوارزمية, وذلك بهدف تحقيق التوازن بين حماية حقوق المستخدمين والتأكد من أن منصات التواصل الاجتماعي آمنة وجديرة بالثقة. إضافة إلى أن تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي قد يتخذ أشكالًا عديدة، بدءً من التنظيم الذاتي من قبل المنصات وحتى اللوائح التي تفرضها الحكومة.

أسباب

و هناك عدة أسباب وراء ضرورة تنظيم منصات التواصل الاجتماعي، منها: ضمان سلامة المستخدم، إذ يمكن استخدام منصات التواصل الاجتماعي غير المنظمة لنشر المعلومات الخاطئة وخطاب الكراهية والمحتويات الضارة الأخرى، مما قد يؤدي إلى عواقب واقعية مثل العنف والعنصرية والاضطرابات. أضف إلى ذلك إمكانية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي غير المنظمة للتلاعب بالمستخدمين والتأثير عليهم، غالبًا دون علمهم أو موافقتهم. ومنها أيضًا مسألة سرّية البيانات وحمايتها. فمنصات التواصل الاجتماعي غير المنظمة يمكن من خلالها جمع البيانات الشخصية واستخدامها دون موافقة المستخدمين، مما يعرضهم لمخاطر مثل سرقة الهوية والاحتيال.

وفي الواقع يعد تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي قضية معقدة للغاية وصعبة في نيجيريا، كما هو الحال في العديد من البلدان الأخرى حول العالم. وهناك عدد من المخاوف التي أثيرت حول كيفية استخدام منصات التواصل الاجتماعي في نيجيريا، بما في ذلك المعلومات المضللة وخطاب الكراهية والتسلط عبر الإنترنت.

تحديات

ومن أكبر التحديات التي تواجه تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي في نيجيريا، هي السرعة الهائلة التي تنتشر بها المعلومات على هذه المنصات، الأمر الذي يجعل مواكبة وتيرة تدفق المعلومات صعبا جدًا على الحكومة أو السلطات الأخرى، وهذا قد يجعل من الصعب تنظيم المحتوى بشكل فعال. وإضافة إلى ذلك، هناك تحدٍّ آخر متمثل في مسألة الموازنة بين الحاجة إلى التنظيم والحق في حرية التعبير والخصوصية، حيث توجد مخاوف بشأن التوازن بين حرية التعبير والحاجة إلى حماية الأفراد من المحتوى الضار. وقد ذهب البعض بأن التنظيم الصارم للغاية لوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يخنق حرية التعبير[1]، في حين ذهب آخرون بأن هناك حاجة إلى مزيد من التنظيم لمنع انتشار المعلومات المضللة وغيرها من المحتويات الضارة[2].

ولقد ساهم انتشار الصحف ووسائل الإعلام الإلكترونية في نيجيريا في انتشار المعلومات الخاطئة والأخبار المزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي[3]، لأنه لدى العديد من هذه المنصات معايير تحريرية ضئيلة أو شبه معدومة، وغالبًا ما تنشر معلومات لم يتم التحقق منها، وبالتالي يؤدي ذلك إلى انتشار معلومات مضللة أو كاذبة، ويمكن بعد ذلك تضخيمها على وسائل التواصل الاجتماعي. لقد كان هذا تحديًا كبيرًا في مكافحة المعلومات الخاطئة وتعزيز الاستخدام الصحيح لوسائل التواصل الاجتماعي في نيجيريا.

وثمة تحدٍّ رئيسي آخر، وهو مسألة محو الأمية الرقمية. ويشير هذا إلى قدرة الأفراد على إجراء تقييم نقدي للمعلومات التي يرونها على وسائل التواصل الاجتماعي في نيجيريا، لا يمتلك العديد من الأشخاص المهارات أو المعرفة اللازمة لتحديد الصحيح والخاطئ من بين المعلومات التي يرونها في مواقع التواصل الاجتماعي. وبالتالي ينتج هذا الوضع في سهولة انتشار المعلومات الخاطئة وكثرة التلاعب بالأفراد من خلال معلومات كاذبة. وهذا يعني أن هناك حاجة ماسة إلى بذل جهود مكثّفة لنشر وتحسين المعرفة الرقمية في نيجيريا، علما بأن المعرفة الرقمية تعدّ في غاية الأهمية عندما يتعلق الأمر بوسائل التواصل الاجتماعي، لأنها تتيح للمستخدمين إجراء تقييم نقدي للمعلومات التي يرونها عبر الإنترنت، واتخاذ قرارات مستنيرة بشأن ما يجب تصديقه ومشاركته. وبدون محو الأمية الرقمية، يصبح المستخدمون أكثر عرضة للتلاعب والمعلومات المضللة. ويمكن لمحو الأمية الرقمية أيضًا أن يساعد المستخدمين على حماية بياناتهم وسريتها عبر الإنترنت، من خلال فهم شروط الخدمة وسياسات الخصوصية للمنصات التي يستخدمونها. ومن خلال المعرفة الرقمية، يمكن للمستخدمين المساعدة في التخفيف من الأضرار الناجمة عن وسائل التواصل الاجتماعي غير المنظمة.

وهناك العديد من التحديات الأخرى التي تواجه تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي بشكل ملحوظ في نيجيريا. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن البلاد لديها عدد متنوع وسريع النمو من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، مما يجعل مراقبة وتنظيم كل المحتوى الذي تتم مشاركته بشكل فعال عمليةً صعبة على الحكومة، كما أن العديد من منصات التواصل الاجتماعي تقع خارج نيجيريا، مما يجعل من الصعب على الحكومة تطبيق قوانينها وأنظمتها عليها. وبالإضافة إلى ذلك، هناك نقص في الخبرة الفنية والموارد اللازمة لرصد اللوائح وتنفيذها بشكل فعال.

محاولات وخطوات حكومية

قد اتخذت الحكومة النيجيرية عددًا من الخطوات لمحاولة تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي، منها إنشاء سياسة واستراتيجية الاقتصاد الرقمي الوطنية (National Digital Economy Policy and Strategy). وتهدف هذه السياسة إلى إنشاء إطار لتنظيم منصات التواصل الاجتماعي وتعزيز المعرفة الرقمية. وأنشأت الحكومة أيضًا الفريق الوطني للاستجابة لطوارئ الكمبيوتر (National Computer Emergency Response Team) لمعالجة الجرائم الإلكترونية والتهديدات الأخرى عبر الإنترنت. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الحكومة مع منصات التواصل الاجتماعي لوضع مدونة قواعد سلوك تحكم كيفية عمل هذه المنصات في نيجيريا، وبالخصوص منصة “إكس” (X) التي عرفت سابقا بـ “تويتر”، بعد ما حظرت الحكومة النيجيرية تويتر من العمل في البلاد عام 2021 بعد أن أزالت المنصة تغريدة للرئيس السابق محمد بخاري –الرئيس النيجيري حينئذ- باعتبار أنها تنتهك سياساتها[4]. كان هذا الحظر مثيرًا للجدل وأثار انتقادات من داخل نيجيريا وخارجها. كما أثار مخاوف بشأن احتمال فرض الرقابة وتأثيرها على حرية التعبير.

ثمة خطوة أخرى من الحكومة نحو تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي، وهي “قانون الحماية من الأكاذيب والتلاعب عبر الإنترنت والمسائل الأخرى ذات الصلة”، (Protection from Internet Falsehood and Manipulation and Other Related Matters) المعروف أيضًا باسم مشروع قانون وسائل التواصل الاجتماعي(The Social Media Bill Act) . تم إقرار مشروع القانون هذا ليصبح قانونًا في ديسمبر 2020، ويمنح الحكومة صلاحيات واسعة لتنظيم منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك القدرة على مراقبة المحتوى ومعاقبة المستخدمين الذين ينتهكون القانون. وقد انتقدت جماعات حقوق الإنسان مشروع القانون لاحتمال انتهاكه لحرية التعبير وحقوق الخصوصية[5].

ويعد مشروع قانون وسائل التواصل الاجتماعي أول تشريع رئيسي يتناول بشكل مباشر تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي في نيجيريا. ومع ذلك، فقد تعرض مشروع القانون لانتقادات واسعة النطاق لكونه فضفاضًا وغامضًا للغاية، بل وهناك احتجاجات عارمة ضده بدعوى أنه يمنح الحكومة الكثير من السلطة للسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي وتقييدها. وكانت هناك أيضًا مخاوف من أن يؤدي مشروع القانون إلى الرقابة الذاتية، حيث قد يخشى المستخدمون التعبير عن أنفسهم بحرية عبر الإنترنت خوفًا من التداعيات القانونية. ولا يزال النيجيريون ينتظرون كيفية تنفيذ هذا القانون وما إذا كان سيكون له تأثير مروّع على التعبير عبر الإنترنت.

مقترحات

يمكن القول أنه في الوقت الحالي يوجد خلل في طريقة استخدام سائل التواصل الاجتماعي في نيجيريا والذي يستدعي تنظيمها. وفي حين اتخذت الحكومة بعض الخطوات لمعالجة المخاوف المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي، لا يزال أمام البلاد طريق طويل لتقطعه فيما يتعلق بالتنظيم الشامل والفعال.

ومن المقترحات التي قد تساعد في التنظيم الناجح لوسائل التواصل الاجتماعي:

– أن تعمل الحكومة النيجيرية مع منصات وسائل التواصل الاجتماعي لتطوير إطار واضح وشفّاف للإشراف على المحتوى، بدلا من مجرد الاعتماد على التشريعات التي تمنح الحكومة صلاحيات واسعة للتنظيم، والتي تثير جدلا كبيرا.

– ومنها أيضا أنه ينبغي على الحكومة بذل الجهود لبناء قدرات الهيئات التنظيمية، مثل الوكالة الوطنية لتطوير تكنولوجيا المعلومات (National Information Technology Development Agency)، لمراقبة وتنظيم وسائل التواصل الاجتماعي بشكل فعال.

– وكذلك يجب على الحكومة أن تنظر في الشراكة مع المنظمات غير الحكومية في مكافحة انتشار الأكاذيب والمعلومات المضللة.

– وهناك حاجة لوضع استراتيجيات لتثقيف المواطنين حول مخاطر الأخبار المزيفة، وتعزيز مبادرات اجتماعية وإعلامية مرتبطة من خلال وكالة التوجيه الوطني (National Orientation Agency) مع استخدام برامج مصممة خصيصا يتم بثها على التلفزيونات والإذاعات الوطنية بهدف مكافحة النشر المعتمد للباطل.

وأخيرا, لا بد من التركيز على تثقيف عامة المستخدمين من النيجيريين أيضا حول الاستخدام الصحيح لوسائل الإعلام الاجتماعية، وبناء مهارات القراءة والكتابة الرقمية، وإعلامهم أهمية التحقق من الحقائق قبل النشر وتداعيات عدم توخي الحذر أثناء استخدام منصات التواصل الاجتماعي.

ـــــــــــــــــ

مراجع

[1] – Sahara Reporters (2020). “Nigerian Government Will Regulate Social Media, Not Shut It Down –Lai Mohammed”. Retrieved from https://bitly.ws/38J28 (اطلع عليه في 20 ديسمبر 2023)

[2] – Bakare Majeed (2021). “Why Social Media must be regulated – Gbajabiamila”. Premium Times, retrieved from https://bitly.ws/38J3j (اطلع عليه في 20 ديسمبر 2023)

[3] – Otulugbu, D. (2021). “Alternative News and Misinterpretations: Fake News and Its Spread in Nigeria.” IntechOpen. doi: 10.5772/intechopen.94571

[4] – Michael Ajifowoke (2021). “After suspending Twitter, Nigerian government intensifies bid to control online media.” TechCabal, retrieved from https://bitly.ws/38J4j (اطلع عليه في 20 ديسمبر 2023)

[5] – Anietie Ewang (2019). “Nigerians Should Say No to Social Media Bill.” Human Rights Watch, retrieved from https://bitly.ws/38J6o (اطلع عليه في 20 ديسمبر 2023)

انشر المقال
بقلم أحمد البدوي عبد الرحيم مدير النشر والصفحات الاجتماعية.
باحث نيجيري - خريج الجامعة الإسلامية بالنيجر (الأدب والنقد).