امبراطورية بنين وبرونزياتها المنهوبة

محمد الجامع أدكيجي
محمد الجامع أدكيجي

تعتبر برونزيات بنين – فيما يعرف الآن بنيجيريا – من أهم الأعمال الأثرية في إفريقيا. وهي تشمل أكثر من ألف لوحة معدنية و منحوتات زينت للقصر الملكي لامبراطورية بنين التاريخية. وقد كان لهذه البرونزيات دور كبير في إثراء المتاحف العالمية بعد ما نهبتها القوات البريطانية من الامبراطورية خلال حملة عام 1897 ووُزّعت على بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية.

وتسعى نيجيريا منذ السنوات الطويلة إلى استعادة هذه البروزيات إلى موطنها الأصلي في بنين (الواقعة اليوم في ولاية “إيدو” – جنوب جنوب نيجيريا). وتدخل هذه الجهود ضمن مساعي الدول الإفريقية على استرداد أعمالها الأثرية المنهوبة الى دولها الإفريقية الأصلية. وهذه المساعي أثارت جدلًا كبيرا في أوروبا، خصوصًا بعد ما أعلنت لجنة الإرث الثقافي والمتاحف في المجموعة الاقتصادي لدول غرب افريقيا (ايكواس) تحركات بشأن استعادة  الأعمال الأثرية والثقافية المملوكة للمنطقة.

خلفية موجزة عن امبراطورية بنين

تأسست إمبراطورية بنين القديمة على يد إثنية إيدو (Edo people) المعروفة أيضا بإثنية بنين. وتعد الامبرطورية واحدة من أقدم الدول وأكثرها تطوراً في المناطق الساحلية النائية لغرب إفريقيا. وفي حين تختلف الآراء حول طريقة وجودها أو سنوات تأسيسها؛

فقد ذهب بعض المؤرخين إلى أنها نشأت حوالي القرن الحادي عشر الميلادي من مملكة “إيدو” الموجودة سابقا (والمعروفة لدى السكان المحليين بـ “إيغودوميغودو” Igodomigodo)، واستمرت الامبراطورية حتى سيطرت عليها الامبراطورية البريطانية في عام 1897.

خريطة موقع بنين في نيجيريا.

وقد صعدت إمبراطورية بنين إلى أوج مجدها بفضل المساهمات والتضحيات الهائلة التي قدمها ملوكها ورجالها وأمرائها المحاربين البارزين, وأصبحت غنية بفضل وقوعها على طرق التجارة بين الغابات والسهول الشمالية. وقايضت الامبراطورية في البداية المنتجات القطنية بالنحاس والعاج والملح وغيره. وتعدّ أكبر وأقوى دولة قديمة في المنطقة التي تُعرف اليوم بنيجيريا؛ إذ سيطرت على مجتمعات ومناطق كثيرة على ساحل خليج غينيا بدءًا من لاغوس في الغرب وحتى بونّي (Bonny Island) في الشرق. وكانت مساحة الامبراطورية في أوج قوتها وذروتها تبلغ ثلاثة أضعاف حجم فرنسا الحديثة.

وبعد وصول البرتغاليين عام 1486 بدأت بنين في شراء الأسلحة والبضائع الأوروبية الأخرى. وكان ميناء “أوغوتن” (Ughoton) مركزًا لتصدير المستعبدين من المناطق المجاورة ومن غرب أفريقيا لصالح الأوروبيين والأمريكيين فيما يسمى بـ “تجارة الرقيق”. وتدهورت قوة الامبراطورية نتيجة الحروب مع الممالك الأخرى المصدرة للمستعبَدين وبسبب التمرات في المجتمعات التي كانت خاضعة للامبراطورية بنين.

وفي حين لا توجد علاقة بين امبراطورية بين القديمة وجمهورية بنين الحديثة (المعروفة بـ “داهومي” من القرن السابع عشر حتى عام 1975)؛ فإن بنين لا تزال قائمة اليوم كمملكة داخل نيجيريا. وبل في ظل النظام السياسي النيجيري قد يكون الأفضل اعتبارها منظمة اجتماعية داخل نيجيريا – كغيرها من الامبراطوريات والممالك والمجتمعات القديمة التي تكونت منها نيجيريا اليوم. ويطلق على ملكها “أوبا بنين” (Oba of Benin).

أما ملك بنين الحالي؛ فهو “إيوُأَرَيْ الثاني” (Ewuare II) واسم ولادته “إيهيندين إريديوا” (Eheneden Erediauwa). وكان منذ وصوله إلى منصب “أوبا” في عام 2016 يدافع عن مصالح إثنية إيدو/بنين, مما جعله شخصية محترمة, وخاصة أنه يشارك في القضايا الوطنية النيجيرية وحل النزاعات السياسية. وقد تخرج بدرجة في الاقتصاد من جامعة ويلز بالمملكة المتحدة وحصل على درجة الماجستير في الإدارة العامة من كلية الدراسات العليا بجامعة روتجرز – نيوجيرسي، الولايات المتحدة الأمريكية.

برونزيات بنين والحضارة الإفريقية

تقدم امبراطورية بنين لمحة عن أصالة مجتمع إفريقي منظّم ونظام حكم متطوّر كان الأفارقة يمارسونه قبل الاتصال الأوروبي أو الوصول الكولونيالي غير الأفريقي. ولذلك اكتسبت التماثيل المصنوعة في امبراطورية بنين شهرة وأهمية لدى للمؤرخين وعلماء الآثار، حيث صُنعِت بإتقان من النحاس والبرونز والعاج للحكاية عن تاريخ امبراطوريات بنين وملوكها وملكاتهم ولتسجيل حوادث مهمة إلى جانب رمزيتها في معتقدات السكان والمجتمعات المحلية. وتزامنت فترات ازدهار نحت هذه الآثار مع فترات تحقيق صناعة المعادن أعلى مستوياتها من الجودة. وكان من العصور الذهبية لهذه الصناعة في بنين: عهد “إيسيغي” (Esigie الذي حكم بين  1504 و 1547) وعهد “إريسويين” (Eresoyen الذي حكم بين 1740 و 1750).

برونزيات بنين في المتحف البريطاني.
المصدر: Son of Groucho/Flickr

وتشمل “برونزيات بنين” مجموعة من المنحوتات التي تشمل اللوحات المصبوبة المزخرفة بشكل متقن والرؤوس التذكارية للملوك والشخصيات والحيوانات، وقطع أثرية ملكية وزخارف خاصة. وقد صُنِعت على يد نقابات متخصصة تعمل في البلاط الملكي في بنين, حيث دعمت المملكة هذه النقابات وغيرها من العاملين في مواد أخرى مثل العاج والجلد والمرجان والخشب. ولا تزال بنين غنية بهذه المنحوتات حيث تستخدم في وظائف كثيرة مثل الطقوس والأنشطة الملكية وغيرها.

على أنه في الحملة البريطانية على بنين في عام 1897 (Benin Expedition)؛ تم نهب ما يقرب من 5000 قطعة أثرية من بروزيات بنين – التي تعود صناعتها إلى القرنين الثالث عشر والسادس عشر – من قبل القوات الكولونيالية البريطانية التي غزت المدينة بهدف توسيع النفوذ السياسي والتجاري البريطاني في غرب إفريقيا. وأرسلت هذه القوات البريطانية الملك “أوفونراموين” (Ovonramwen) من أرضه بنين إلى المنفى، ودمرت احتكاره التجاري حول دلتا النيجر وسيطرت على مملكته. وجرّدت القوات البريطانية بنين من آلاف الآثار, وأعطوا بعضًا منها للملكة “فيكتوريا” كما احتفظوا منها لأنفسهم, بينما بعض هذه البروزيات أيضا من أجل الربح في غرب إفريقيا وإنجلترا وأماكن أخرى. وهكذا صارت برونزيات بنين معروضة في قاعات ومخازن المتاحف في جميع أنحاء العالم.

إن الأعمال الفنية في بنين بمثابة سجلات تاريخية مهمة لهذه الدولة القديمة، حيث تساعد في استرجاع تاريخ الامبراطورية والمملكة وتاريخ سلالاتها الحاكمة وتقدّم رؤى ثاقبة لعلاقتها بالممالك والمجتمعات المجاورة. وعلى سبيل المثال: كان التاريخ الشفوي والتراث الفني من المحاور الرئيسية اعتمد عليها المؤرخون سابقا في فهم بنين؛ ولكن “جاكوب إيغاريفبا” – المؤرخ النيجيري المنتمي إلى بنين – أنتج أول تاريخ مكتوب لبنين في عام 1933. وهذا العمل المكتوب مهّد الطريق أمام جهود أخرى بدءا من تنقيح عمل المؤرخ على مدى عقود باستخدام الرؤى التي اكتسبها هو والمؤرخون الآخرون  من القطع التاريخية والأثرية والأنثروبولوجية لبنين المنتشرة في جميع أنحاء العالم.

مساعي استرداد البرونزيات

لقد كانت مساعي استرداد برونزيات بنين قدمية حيث ظلّ المتحف البريطاني يتهرّب من التخلّي عن القطع. وفي سبعينيات القرن الماضي طلب منظّمو مهرجان الفن الأفريقي في العاصمة النيجيرية لاغوس من المتحف البريطاني استعارة قناع عاجي لوالدة الحاكم (الذي يعود للقرن السادس عشر). وقوبل المنظمون بالرفض من قبل المتحف البريطاني الذي عزا ذلك إلى حالة القناع الهشّة، بينما كشفت مصادر نيجيرية حينها بأن إدارة المتحف طالبت المهرجان بـ 3 ملايين دولار كتأمين عليه.

وظهرت القضية مرة أخرى في الحملات الأفريقية التي تلت مقتل “جورج فلويد” في الولايات المتحدة الأمريكية, حيث طالبت الاحتجاجات بتحرير الثقافة الأفريقية من السرديات الأوروبية عبر استعادة الكنوز القابعة لعقود في المؤسسات والمتاحف الغربية. ونتج عن هذه الجهود في السنوات الأخيرة مقترحات مثل: أن يعيد المتحف قسماً من القطع الأثرية إلى متحف “إيدو” لفن غرب أفريقيا كإعارة فقط لعرضها لثلاث سنوات كحدّ أقصى، متذرّعاً ببعض العقبات القانونية، منها أنه لم يتسلّم أي دعوة رسمية.

وقد كان أشدّ ما يستنكره الأكاديميون والفنانون الأفارقة المعارضون هو فكرة استعارة هذه القطع من متاحف النمسا وبريطانيا وألمانيا ودول أخرى، حيث يرون أن هذا يتناقض مع مشروع بناء متحف إيدو لفن غرب إفريقيا والذي يسعى إلى إحياء إرث بنين الفني والثقافي والحضاري. ورأوا لكي يحقق المتحف الجديد أهدافه يجب قبل أي شيء تحرير القطع والمعروضات من المتاحف الغربية، خصوصاً أنّ بقاءها هناك يرسّخ الممارسات الاستعمارية القديمة التي تمثّلت في السرقة الدموية لهذا الإرث. كما يتفق هؤلاء المعارضون على أن الدول الأوروبية هي التي ينبغي أن تطلب استعارة هذه الأعمال من الدول الأفريقية.

ويضاف إلى ما سبق أنه لجنة الإرث الثقافي والمتاحف في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا أقرت في اجتماع مشروع اتفاق دولي بشأن استعادة الأعمال الأثرية والثقافية.   وقد أعلن الرئيس الفرنسي ” إيمانويل ماكرون” إعادة القطع المنهوبة خلال الاستعمار إلى بلدانها الأصلية بشكل تدريجي, وذلك بعد صدور تقرير تعرّض لنقد واستنكار من قبل المتاحف الأوروبية، خصوصاً أن التقرير المكلف من “ماكرون” وصف الممارسات الجارية بالنهب والسرقة العلنية لتاريخ الشعوب الأخرى.

ومن نجاحات جهود استرداد هذه القطع الأثرية أن ألمانيا في عام 2022 أعلنت عن اتفاق لإعادة مئات القطع الأثرية والأعمال الفنية التي نُهبت من نيجيريا في الحقبة الاستعمارية وكانت معروضة في المتاحف الألمانية. وفي أكتوبر من عام 2022 نقل المتحف الوطني للفن الأفريقي التابع لمؤسسة سميثسونيان ملكيةَ 29 قطعة برونزية بنينية إلى اللجنة الوطنية للمتاحف والآثار في نيجيريا. بينما أعلنت جامعة “كامبريدج” في ديسمبر من 2022 عن نيتها لإعادة أكثر من 100 قطعة برونزية تابعة لبنين إلى نيجيريا.

ومع ذلك؛ توجد بقية قطع بنين الأثرية في مناطق مختلفة من شمال الكرة الأرضية، حيث توجد حاليا أكثر من 800 قطعة أثرية في المتحف البريطاني بلندن وحدها، فضلا عن وجود العديد من القطع في الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يستضيف متحف “إيدو” لفن غرب أفريقيا – الذي يبنى حاليا في مدينة بنين بولاية إيدو النيجيرية هذه القطع المستردة.

ــــــــــ

المراجع:

Michael Nienaber (2022). Germany Returns Looted Benin Bronzes to Nigeria After a Century. Bloomberg, from https://bloom.bg/3Rp774c

Benin Bronzes. British Museum, from https://bit.ly/3HMh5tm

Smithsonian (2022). Smithsonian Returns 29 Benin Bronzes to the National Commission for Museums and Monuments in Nigeria. From: https://s.si.edu/3WUuZy1

Bradbury, R. E. (2018). The kingdom of Benin. In West African kingdoms in the nineteenth century (pp. 1-35). Routledge.

Zagaris, B., & Kennamer, J. (2022). Recovery and Return of Stolen and Embezzled Cultural Objects. IELR, 38, 288.

حكيم ألادي نجم الدين (2019).القِطَع الأثرية الأفريقية في متاحف أوروبا وعقبات في طريق استعادتها. عبر الرابط https://bit.ly/3XLrn2x

انشر المقال
- كاتب نيجيري، ومحرر قسم التاريخ والشخصيات لدى مجلة نيجيريا الثقافية. - باحث ماجستير في اللغة العربية - جامعة ولاية لاغوس, نيجيريا. - حاصل على بكالوريوس الأدب العربي - الجامعة الإسلامية بجمهورية النيجر.

جديد الموقع

تابعنا على الفيسبوك