الأدب الأفريقي: جغرافية المصطلح وإشكاليته

آدم يوسف أموبولاجي
آدم يوسف أموبولاجي - نائب مدير التحرير والمدقق اللغوي.

في كتابه (دراسة في الأدب الإفريقي الحديث)؛ عرّف “لورنس كورباندي كوديس” الأدب الأفريقي بأنه: “ذلك الأدب الذي يتناول موضوع الأصل الإفريقي، كحقيقة تاريخية بعيدا عن العنصرية ومستندا على فكرة الزَّنْوَجَة مظهرا من مظاهر الأفرقة ويتخذ في ذلك شتى الوسائل الأدبية في التعبير عنه”.

ويمضي “لورنس” قدما في بيان تعريفه هذا بقوله :”والجدير بالذكر أننا لا نجد فنانا أو كاتبا أو أديبا أو سياسيا محنكا من مجتمع إفريقيا السوداء كتب عن إفريقيا بمعزل عن فكرة الأصالة الإفريقية أو القومية، وهم في الغالب لا يخرجون من دائرة الزنوجة ويرفضون محاولة طمس كل ما هو إفريقي أصيل، لذلك كان الموضوع الأكثر هيمنة على الأدب الإفريقي الحديث في سنوات اليقظة الإفريقية على غيرها هو الزَّنْوَجة التي تعبر عن حالة الزنوج في شتى جوانب الحياة، لأنها عنصر من العناصر التي ستكون فاعلة في الدعوة إلى القومية الإفريقية”.

ويعرّفه أديب جنوب أفريقيا “مازيسي كونيني” بقوله: “هو الأدب الذي يصور واقعا أفريقيا بجميع أبعاده. وهذه الأبعاد لا تضم ألوان النزاع مع القوى صاحبة السيطرة السابقة على القارة وحسب، وإنما تضم أيضا النزاعات داخل القارة الأفريقية” .

وهذا التعريف الثاني – على غرار تعريف “لورنس” – ينم عنه ما قاله “علي شلش” في كتابه (الأدب الأفريقي) بتركيز الأدب الإفريقي على الجنس “الزنجي” والثقافة “الزنجية” دون حساب للأجناس والثقافات الأخرى.

وبغض النظر عن الخلافات العلمية الدائرة حول استخدم مصطلح “الزنج” و “الزنوجة” أو عنصر اللون في التعريفين السابقين؛ فإنهما أيضا عمدا إلى اصطلاحات قد تبعد بعض العناصر الحديثة عن الأدب الإفريقي وتجعله أدبا لعقد أو فترة معينة. كما أنهما يخرجان الأعمال الأدبية ضمنيا من بعض مناطق القارة عن دائرة الأدب الإفريقي.

ومن المواقف المثيرة للجدل أن الشاعر النيجيري “كريستوفر أوكيغبو” ينحى منحى مختلفا في تعريفه للأدب الأفريقي قائلا: “هو – ببساطة – الأدب الموجود في أفريقيا … ومن السخف أن نتصوره نمطا خاصا ذا سمات متينة لها طابعها الأفريقي الخاص، أو ذا قيمة خاصة مرتبطة بالحضارة الأفريقية”. وأضاف: “إنه لا يوجد أدب أفريقي، وإنما (أدب) جيد ورديء، ولا شيء غير ذلك”.

جغرافية المصطلح وإشكاليته

إذا انطلقنا من أن المصطح دائما يحدده أهل العلم والاختصاص وفق محددات لها ما يبررها ، ليحمل كامل أبعاد الدلالة التي يرمز به إليها ، تفرضه طبيعة المجال وتوافقها مع المفردة من حيث المعنى سواء بالتخصيص أو التعميم … فيرى الدكتور “عبد الرؤوف بابكر السيد” في كتابه (فاعلية الأدب الأفريقي) أننا عندما نتحدث عن الأدب الأفريقي تنجم عدة إشكالات في تحديد المصطلح أو في أبعاد ومحددات دلالته. ويعيد ذلك إلى وقوعنا في فخ مسميات وتحديدات غربية، والتي كانت وليدة العنصرية في إطلاقها مصطلح (الأدب الأفريقي) دلالة على الأدب في أفريقيا جنوب الصحراء, باعتبار الصحراء الكبرى محددا جغرافيا وطبيعيا فاصلا وعازلا .. وباعبتبار أدب شمال الصحراء ينتمي إلى فضاء آخر هو الفضاء العربي والثقافة العربية.

ويقول الدكتور “علي شلش” : ” هناك إجماع بين جمهور المستفرقين على أن (الأدب الأفريقي) مصطلح يعني مناطق أدب المناطق التالية جنوبا للصحراء الكبرى حتى التقاء القارة بالمحيط في أقصى- 12 الجنوب . وهذا الإجماع نشأ نشأ من ” أن أفريقيا قارة تقسمها الصحراء الكبرى إلى قسمين مختلفين كل الاختلاف : قسم يقع شمالها ويسمونه ( أفريقيا العربية الإسلامية ) وآخر يقع أو (أفريقيا السوداء) (South of the Sahara Africa) جنوبها ويسمونه (أفريقيا جنوب الصحراء).

وهذه القسمة جغرافية طبيعية لا يتجاوز عمرها قرنا من الزمن إلا أنها – حسب رأي “علي شلس” – وضعت في ظل إطار سياسي استعماري واضح الهدف هو تشطير القارة ، وتدعيم تجزئتها ، والانفراد بكل شطر على حدة ، فلم تكن الصحراء الكبرى هذه فاصلا حقيقيا بين الشمال والجنوب قبل السيطرة الاستعمارية . بل كانت طريق الهجرات والقوافل والتجارة بين الشمال والجنوب. ولم يكن العرب أبناء الشمال في عزلة عن الزنوج طوال قرون حتى القرن التاسع عشر الذي تمت فيه السيطرة على شطري القارة . فقد حكم على تجارة الصحراء بالموت في أواخر القرن التاسع عشر نتيجة للصراع الدولي .

يقول الأديب الروائي النيجيري تشينو أتشيبي : ” لا يمكن أن تحشر الأدب الأفريقي في تعريف صغير محكم … فأنا لا أرى الأدب الأفريقي كوحدة واحدة ، وإنما أراه كمجموعة من الوحدات المرتبطة – تعني في الحقيقة المجموع الكلي للآداب ” القومية ” و ” العرقية” في أفريقيا”.

أعلام أفريقية في سماء الأدب

لقد كانت القارة الأفريقية أرضا خصبة وروضة غناء أنتجت العديد من العقول المبدعة ، والقدرات الفنية الخارقة ، والشخصيات الأدبية العالمية الذين امتدت شهرتهم في العالم كله ، وشهد الجميع بعبقرياتهم على صعيد الفن ، ومثلوا الأدب الأفريقي خير تمثيل ، ومن هؤلاء الأدباء:

– وولي شوينكا (Wole Soyinka الذي ولد 1934م): الأديب الحائز على جائزة (نوبل) ، والذي يعد ظاهرة استنائية ، غزير الإنتاج ، وغني الأداء ، إضافة إلى المسرحيات والروايات والقصائد والمقالات والترجمات … إنه المبدع الذي استقى بعناية من كلتا الثقافتين : ثقافة اليوربا والثقافة الغربية ، وببراعة استوعب تراجيديا وكوميديا الحالة الإنسانية. ومن أعماله: (الأسد والجوهرة) ، و (رقصة الغابات) ، و (الموت وفارس الملك) ، و (موسم غير أخلاقي اجتماعيا) ، و (المفسرون).

نغوغي وا ثيونغو (Ngũgĩ wa Thiong’o المولود في 1938م): من أبرز الأدباء الأفارقة الذي ولد في كينيا. ودوره في المسرح بشرق أفريقيا قريب من دور “سوينكا” في غربها. ومن أعماله: (الناسك الأسود)، و (في مثل هذا الوقت غدا ومسرحيات أخرى)، و (محاكمة ديدان كيماثي).

تشينوا أتشيبي (Chinua Achebe المولود في 1930 م والمتوفى في 2013م)، أحد كبار الروائيين الأفارقة الذي يلقب بـ “أب الأدب الإفريقي”، والذي كان منافسا قويا لـ (سوينكا) لنيل جائزة (نوبل) في الآداب. ومن أعماله: (الأشياء تتداعى)، و ( سهم الله )، و (رجل الشعب).

– آلان مابانكو (Alain Mabanckou): أديب كونغولي-فرنسي اشتهر في عام 1998م بروايته الأولى التي نال عنها “الجائزة الأدبية الكبرى لأفريقيا السوداء”. ومن أعماله: (زجاج مكسور) و (القلق لا يموت) و (البازار الأسود).

– نور الدين فارح: ولد في الصومال عام 1945 وكتب العديد من المسرحيات والروايات والقصص القصيرة التي دارت حول تجاربه في الصومال. ومن أعماله: (من ضلع أعوج), و (خرائط).

– نادين غورديمر (Nadine Gordimer): واحدة من أكثر الكتاب غزارة في جنوب إفريقيا، حيث تمحورت أعمالها حول القضايا الاجتماعية والأخلاقية والعرقية تحت حكم الفصل العنصري. ومن أبرز أعمالها: (ابنة برغر).

– شيماندا نغوزي أديتشي (Chimamanda Ngozi Adichie ولدت في 1977): كاتبة نيجيرية تعتبر من أهم الكتاب الأفارقة في جيلها. ومن أعمالها: (زهرة الكركديه الأرجوانية), و (علينا جميعاً أن نصبح نسويين), و (أمريكانا), و (نصف شمس صفراء).

خاتمة

من خلال ما سبق اتضح أن الخلافات حول الأدب الإفريقي قديم قدم ظهور المصطلح, وأن الأدباء الأفارقة أنفسهم غير متفقين على ما يحدد الأدب الإفريقي وعناصره, بينما جعله آخرون أدبا لسكان منطقة إفريقيا جنوب الصحراء فقط أو “السود” (الزنج) وتجاربهم.

ومما تكن المواقف والاختلافات؛ فإن الأدب الأفريقي يشمل أعمالا أدبية عن القارة الأفريقية ومنها, ويتكون من مجموعة من الأعمال بلغات إفريقية مختلفة وعبر وسائل مختلفة، بدءًا من الأدب الشفوي إلى الأدب المكتوب باللغات المحلية الإفريقية والاستعمارية. ويمكن القول من واقع التطورات الأدبية أيضا إن الأدب الإفريقي يتجاوز العرق والثقافة واللغات والحدود, وأنه يحتوي على عناصر وأشكال ومعان وموضوعات تشكل تجاربه الاجتماعية والتقاليد الأدبية.

ـــــــ

أهم المصادر والمراجع

– عبد الرؤوف بابكر السيد ، فاعلية الأدب الإفريقي ، أفاتار للطباعة والنشر ، ط 1.

– علي شلش ، الأدب الأفريقي ، المجلس الوطني للثقافة والفنون 1993.

– لورنس كورباندي كوديس ، دراسة في الأدب الإفريقي الحديث ، الدار المصرية اللبنانية ، ط 1.

Udofia, Julia. Emerging issues in the definition and evaluation of African Literature. Okike: Chinua Achebe Memorial Editition (2013).

انشر المقال
بقلم آدم يوسف أموبولاجي نائب مدير التحرير والمدقق اللغوي.
- باحث نيجيري مهتم بالأدب والنقد. - طالب ماجستير في الدراسات الأدبية - جامعة القصيم.